الجامعات العربية: تحوّلٌ وتنوّعٌ في الإدراك

منير فاشه/ الملتقى التربوي العربي

مركز دراسات الشرق الأوسط/ جامعة هارفارد

[ورقة قدمت في المؤتمر حول نماذج جامعات للعالم العربي 2003/10/24-23

مركز الدراسات العربية والشرق أوسطية/ الجامعة الأميركية في بيروت]

هناك قصة طريفة تقول بأن شخصا أضاع خاتمه في ليلة ما فأخذ يفتش عنه تحت مصباح الشارع.  مرّ صديق وسأله عما يفتش، قال عن خاتم أضعته، فسأله هل أنت متأكد أنك أضعته هنا.  قال: لقد أضعته هناك في العتمة، ولكن لا يوجد مصباح هناك، لذا أفتش عنه هنا.

تصف القصة حال شعوب كثيرة في العصر الحاضر ومنها الشعوب العربية، إذ تكمن كنوزنا الحقيقية في عتمة العصر الحاضر، سواء عن قصد أو إهمال، فنجد أنفسنا (مثل ذلك الشخص) نفتش عن حلول ومعان وأفكار ومعارف موجودة فقط تحت الأضواء.  والأضواء التي أشير إليها هي الموجودة على شارع (أو بتعبير أدق super highway) الفكر الأحادي العالمي السائد، والذي يعكس الإيمان بوجود طريق واحد ووحيد للتقدم.  وبما أن هذا الفكر يبدأ ويرتكز على مفاهيم ونماذج جاهزة ومحددة ومسموح بها (بدلا من البدء بالحياة والإصغاء لها)، لذا فإنه يتناقض مع التنوع والحكمة ويحد من تخيل بدائل ويمنع إجراء تجارب تنطلق من أسس وقناعات مختلفة.

هذه الورقة باختصار شديد هي دعوة لتحرير الفكر والخيال من هيمنة أي نموذج يدعي الأحادية والعالمية ولتحسس واستخراج كنوز لدينا ولكنها موجودة في العتمة، وتسليط الضوء عليها من جديد، ومنها ما يتعلق بموضوعنا هنا، موضوع إنشاء جامعات في العالم العربي مبنية على إدراكات وأسس مختلفة، بما في ذلك إدراكنا لمفهوم جامعة ومعرفة وتقدّم .  من هذا المنطلق، ما أطرحه في هذه الورقة هو ليس نموذجا أو حلا عاما لإنشاء جامعات (فذلك يتناقض مع مبدأ التنوع والحكمة)، وإنما النظر إلى النموذج السائد (والموجود تحت الأضواء) على أنه أحد الطرق لإنشاء جامعات، لا أكثر ولا أقل.  بعبارة أخرى، ما آمل أن تحدثه الورقة هو تحوّل في الإدراك يؤدي إلى استعادة التنوع والحكمة كقيمتين جوهريتين في الحياة وفي المعرفة؛ هي دعوة للإصغاء للحياة والوجود والبدء بهما، دعوة لاسترجاع الشرعية (وجزء من الميزانية) للتنوع في الفهم وفي الخيال وإفساح المجال للتجربة والإبداع والابتكار، دعوة لإعادة النظر في إدراكنا لأنفسنا ولموقعنا ودورنا في العالم، وبوجه خاص دورنا كشركاء في تكوين المعنى والفهم والمعرفة، فكل هذه الأمور ضروري لاستعادة إنسانيتنا ولإيقاف التسارع والتنافس حول من سيكون في المقدمة على طريق كوارث بيئية واجتماعية ونفسية واقتصادية تتفجر معالمها منذ عشرين سنة على الأقل.

باختصار شديد، تمثل هذه الورقة محاولة أولية متواضعة لإثارة قضايا وتوسيع آفاق والتنبيه إلى أمور.  وأقصى ما آمل أن يحدث هو أن تتكوّن مجموعات بمبادرات ذاتية في أكثر من موقع، تسمح لخيالها بالتحليق خارج قفص الفكر الأحادي العالمي وتحرر نفسها من لعبة التنافس ومن صنمية ال first class university لتصغي إلى الواقع وتفتش في العتمة وتجرب وتبني حسب قناعاتها واجتهاداتها وحواراتها وقراءاتها للواقع بالنسبة لإنشاء جامعات من منطلقات متعددة.  وهذا يعني إنهاء احتكار أي نموذج يدعي أنه الوحيد أو الأفضل.  بعبارة أخرى، من يريد السير على ال super highway فليسر، ومن يريد أن يبني first class university فليبن، ولكن أيضا من يريد أن يبني جامعات من منطلقات مختلفة من الضروري أن لا يُمنع من ذلك، وأن يخصص جزء من الميزانية العامة لذلك.

إضاءة حول تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002 وحول "الفكر الأحادي العالمي" السائد

من الضروري التأكيد أولا على أن التقرير هو حصيلة جهود أشخاص عديدين عملوا فترة متواصلة من الزمن وضمن دعم مالي ورسمي من قبل هيئات دولية وعربية،  وقد كان على رأس المجموعة أشخاص معروفون بإخلاصهم وخبراتهم ومعرفتهم الواسعة في مجالات متكاملة وذات علاقة بالتنمية على أصعدة مختلفة، وما من شك في أن التقرير كان جريئا وواضحا في طروحاته. في المقابل، هذه الورقة هي حصيلة جهد شخص واحد، اجتهد في أوقات على هامش عمله اليومي، فهي محاولة أولية لطرح رؤيا ترتكز وتنطلق من أسس مختلفة.  ولعل أهم ما تطرحه الورقة هو ضرورة الخروج من القفص الذي وُضعنا فيه منذ "محمد علي" على الأقل قبل مائتي عام، ألا وهو القفص المتمثل بالاقتناع بأنه لا بديل للفكر الأحادي العالمي السائد، والذي يتمثل بالمسار الذي سلكته أوروبا الغربية (والولايات المتحدة فيما بعد).  [وقد عبرت مارجريت ثاتشر عن هذا عندما كانت رئيسة الحكومة البريطانية، عن طريق رفعها شعار TINA أي There Is No Alternative ].  من هذا المنطلق، أكثر ما أفزعني في التقرير هو استبطانه لهذا الفكر.  ما آمل أن يحصل هو تحرير عقولنا أولا وقبل كل شيء من عبودية هذا المسار الفكري بالذات.

كانت أول مرة انتبهت فيها للغنى والتنوع في المعارف (والموجودة عادة في العتمة) في أواسط عقد السبعينات عندما كنت أعمل مدرسا للرياضيات في جامعة بيرزيت وموجها مركزيا للرياضيات في مدارس الضفة الغربية بفلسطين، حيث كنت أبحث عن أمثلة من الحياة تعكس وتجسد الرياضيات.  ثم انتبهت إلى أنني أعيش ذلك المثال يوميا في عمل أمي الأمية، والتي كانت تخيط الملابس حيث تأتي النساء بقطع مستطيلة من القماش فتأخذ أمي بعض المقاييس بواسطة طباشير ملونة (كل لون يدل على مقاس معين، لون للطول ولون للخصر وهكذا)، ثم تأخذ المقص وتقص القطعة المستطيلة إلى ما يقارب من ثلاثين قطعة متناثرة في أرجاء الغرفة، وفي المساء تتجمّع تلك القطع لتكوّن ملبسا ينطبق تماما على جسم المرأة صاحبة القطعة!  وكان معيار النجاح في عملها ليس %80  %70  ولا حتى95  %  (كما هو الحال في المدارس والجامعات)، بل يجب أن ينطبق تماما وبالكامل على جسم المرأة.  معرفة رياضية حاولت أن أفهمها ولكن لم أستطع، فهي معرفة من نوع آخر، معرفة عشت في وسطها 35 عاما قبل أن أعيها، لأن الأضواء مسلطة على معارف كالتي اكتسبتها في المؤسسة التعليمية.  [للمزيد عن هذه الخبرة الرجاء مراجعة الموقع الإلكتروني الخاص ب"الملتقى التربوي العربي"  www.almoultaqa.com وقراءة المقال المعنون literacy ].

أريد أن أؤكد: لم أر أو ألاحظ المعرفة التي جسدتها أمي في حياتها، والرياضيات المتضمنة فيها، لأنها معارف موجودة في عتمة العصر الحاضر، ومغروسة في تربة الحياة، ولا تستطيع المعرفة التي اكتسبتها في المدرسة والجامعة التعرف عليها، وبالتالي لا تعترف بها.  فالمعارف التي تشبه معرفة أمي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات والمفاهيم المعترف والمسموح بها تحت الأضواء.  وبالرغم من أنني بدأت في العام 1976 وعي المعرفة التي جسدتها أمي، إلا أن أول مرة تجرأت وكتبت وتحدثت عنها علنيا كان في العام 1984 عندما بدأت كتابة رسالة الدكتوراه، وكانت أول مرة نشرت عنها في شباط/ فبراير من العام 1990 في Harvard Educational Review  .  أستعمل كلمة "تجرأت" لأن أحد الأسلحة المسلّطة ضد من يخرج عن الأحادية العالمية في التفكير والإدراك هو تخويفه واتهامه بالتخلف عن الركب وعدم الرغبة في اللحاق بالدول "المتقدمة"!

كان وعيي لمعرفة أمي بمثابة انتفاضة في عالمي الداخلي، حيث نفضَت الأوساخ التي تراكمت في فكري وإدراكي عبر السنين بفعل عوامل عدة، وفتحَت الطريق لي لرؤية الغنى والتنوع في الحياة وفي الناس.  نفض ذلك الوعي خوفي من الخروج من ال super highway في الفكر والعمل، ومن تحسس الحياة خارج الأنماط والنماذج الذهنية والتعبيرية والعملية السائدة، ومن شق طريقي في العتمة نحو الكنوز المهملة.  شعرت نتيجة وعيي ذاك أنني أتحرر من القفص الفكري الذي كنت أتحرك فيه بحرية ولكن دون أن أكون قادرا على رؤية السياج الذي يحيط به.  وعيت أن العلة الرئيسية تكمن في منع أي إدراك يختلف عن الإدراك السائد من التجربة والنمو.  ويتم منعه عن طريق إبقائه في العتمة، أو منعه بطريقة قسرية أو "قانونية" عن طريق عدم إعطائه قيمة وشرعية ومرافق وجزء من الميزانية.  فمثلا لو حاول شخص أن ينشئ مدرسة لا تتبع المنهاج الرسمي ولا تؤمن بامتحانات وعلامات لمُنع بالقوة.  [من هذا المنطلق، كان الحال أفضل بكثير قبل مائة عام، فقد بنى خليل السكاكيني مثلا في القدس مدارس بدون امتحانات وعلامات، ودون أن يجد أحد ذلك غريبا!  ماذا حصل خلال مائة عام بحيث أصبح من المستحيل حتى تخيل ذلك؟  لا أدري، ولكن من الهام جدا البحث في ذلك.]  

يتطلب استرجاع التنوع والحكمة النظر إلى الحياة/ الوجود/ الطبيعة (وليس إلى نماذج ومفاهيم ونظريات جاهزة) على أنها البداية والمرجع والمعيار، في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا.  من هنا فإن الإصغاء للواقع والتأمل في خبراتنا وأعمالنا يشكلان أساسا لبناء فكر وفهم ومعرفة.  بعبارة أخرى، هذه الورقة هي بمثابة دعوة لأن يفتش كل منا عن كنوز موجودة فيه كشخص أو في الحضارة والثقافة كما يعيشهما، ويسلط الضوء عليها.  هذا لا يعني عدم الاهتمام بكنوز موجودة لدى الآخرين والاغتناء منها، ولكنها لا تشكل نقطة البداية.

يرتبط ما سبق بمفهوم الحرية، وهو مفهوم يتطرق له التقرير، إذ جاء مثلا في خلاصة التقرير: "هناك ثلاثة نواقص أساسية تواجه جميع الدول العربية وهو نقص الحرية ونقص تمكين المرأة ونقص المعرفة."  قبل أن أتطرق لموضوع الحرية أود أن أذكر أنه بالنسبة لموضوع التمكين، فإن ما ذكرته بالنسبة لمعرفة أمي وضّح لي بأن الشخص الذي يحتاج إلى تمكين هو أنا وليس أمي.  أي أن المشكلة لا تكمن في المرأة وإنما في ما نعطيه قيمة وما لا نعطيه، مما يعني أن ما نحتاج له هو تحوّل في الإدراك.  أما بالنسبة للنقص في المعرفة فسأعود إليه فيما بعد.  أعود الآن إلى موضوع الحرية.

يتكلم التقرير عن الحرية السياسية والاجتماعية والتعبيرية وغيرها ولكنه يهمل ما أعتبره أهم الحريات ألا وهي الحرية في تخيل بدائل للفكر الأحادي العالمي المسيطر، وحرية الفكر في أن يختار طريقا للتقدم يختلف عن المسار العالمي بالذات، والذي يدعو له التقرير!

الحرية في أضعف مفاهيمها هي حرية التعبير والخيار واتخاذ القرار، ويلي ذلك حرية المشاركة في العمل بهدف بناء المستقبل.  وهما نوعان يدعو لهما التقرير.  أما المفهوم الأكثر جوهرية في نظري فيكمن في حرية البحث المستقل عن المعنى، وفي تفسير الكلمات والظواهر، وفي إعادة النظر في المعايير والممارسات والإدراكات السائدة وفي شق طريق أصيل في الفهم، أي الحرية في المشاركة في التأليف والتفسير والفهم والإدراك.  سأختار السير كمثال لتوضيح ذلك.  الحرية من النوع الأول تشبه حرية الشخص في اختيار طريق من بين طرق معبّدة وحرية القرار على أيها يسير وحرية اختيار وسيلة النقل (سيارة، دراجة، قطار).  والحرية من النوع الثاني تشبه حرية المشاركة في فتح طرق جديدة حسب المقاييس والقوانين والأعراف السائدة.  أما الحرية من النوع الثالث فتتمثل في أن تشق طريقك بنفسك حسب ما يفرضه الواقع وخبراتك وقناعاتك، مما قد يعني المشي في الحقول والوديان وعلى رؤوس الجبال.  الحرية من النوعين الأول والثاني مستعينا بصورة القفص تعني التحرك بحرية تامة داخل القفص.  الحرية من النوع الثالث تبدأ بوعي وجود عالم ذي قيمة خارج القفص، وباكتساب الجرأة على التخيل والتجربة والعمل خارج حدوده.  ومن الجدير بالذكر أن الموانع للخروج من قفص الفكر الأحادي غالبا ما يستبطنها الشخص فيدافع عنها بكل قوة (كما هو الحال مثلا بالنسبة لمن يمنع إنشاء مدارس وجامعات حسب مبادئ وأسس وإدراكات تختلف جذريا عن الإدراك والنموذج السائدين).

هناك عدة وسائل للجم الحرية من النوع الثالث، لعل أكثرها فاعلية هي اللغة والمعاني المسموح بها والمعايير المتبعة (بما في ذلك اتهام الأشخاص الذين يحاولون الخروج من القفص الفكري بالدعوة إلى العدمية والتسيب والفوضى والتخلف عن الركب).  من هذا المنطلق فإن الإيمان بوجود طريق وحيد للتقدم وبفكر أحادي عالمي لا يحق لأحد الخروج عنه هو نوع من أنواع العبودية الفكرية، والتي تدخل وتعشش فينا دون أن نلاحظ ذلك.  وهو بالضبط ما وقع فيه التقرير، وهو بالضبط ما أقترح الخروج منه إذا أردنا تنمية تحترم البشر وتعترف بالتنوع وتبدأ بالحياة وتحافظ على الطبيعة التي تشكل البوتقة الرئيسية لاستمرار الحياة على الأرض (وهذا جزء من الحكمة).  من هنا فإن أهم خاصية للتنمية المستديمة، في نظري، هي ليست التي تتمحور حول تنمية الإنسان (كما نسمع باستمرار) وإنما التي لا تسمح بأي عمل يضر بالطبيعة، مهما كانت الأرباح والمكاسب على المستوى الاقتصادي أو غيره، إذ أن الاهتمام بالطبيعة وعدم الإضرار بها يضمن الصحة للإنسان واستمرار الحياة على الأرض، بينما التركيز على تنمية الإنسان يمكن أن يأخذ معنى استهلاكيا كما هو الحال في استعمالاته الحالية.

سأعطي ثلاثة أمثلة أخرى لتوضيح ما أعنيه بالإدراك والحرية كما أستعملهما في هذه الورقة، وهو معنى مرتبط بقيمة التنوع، وهي قيمة جوهرية في هذه الورقة.  المثال الأول: في زيارة لي لولاية "واهاكا" في جنوب المكسيك، ذكر لي صديق بأن أحد ما يطالب به السكان الأصليون الحكومة المكسيكية هو ليس تغيير السجون أو تحسينها في الولاية وإنما العيش بدون سجون.  إذ حسب تقاليدهم ورؤيتهم للأمور، من يضر بآخرين أو يخطئ بحق المجتمع، فإن المجتمع مسؤول قدر الشخص، مما يجعل فصله عن الناس فكرة طائشة.  بعبارة أخرى، لا تُحل المشكلة في رأيهم عن طريق عزل الشخص عن الآخرين بل عن طريق التفاعل معه ووضع جهد لمحاولة فهم ما حصل (من قبل الطرفين).  أي أن مطلبهم في جوهره هو أن يُترك لهم المجال لأن يعيشوا حسب  طرقهم في العيش، فالتنوع الحقيقي هو ليس تنوعا يتعلق بنوع السجون أو تحسينها وإنما في تحرير فكرهم وخيالهم من فكرة السجون بالذات.  أما المثال الثاني فيرتبط بتحرير إدراكنا من اعتبار الماء حاجة والتأكيد على أنها حق.  فاعتبار الماء حاجة يؤدي إلى نشوء شركات ضخمة لمحاولة تأمين هذه الحاجة والذي يعني عمليا إعطاء هذه الشركات الحق في سرقتها وتقنينها وبيعها، وبالتالي حصول نسبة قليلة من الناس عليها.  أما اعتبارها حقا فيعني تغيير جذري في الإدراك وفي نمط الاستهلاك وفي القوانين التي تحكم استهلاك الماء.  أي من الضروري التشديد على أن المياه حق حتى نضمن أن يحصل كل طفل على ما يحتاجه من الماء لنموه الصحي والسليم.  إن اعتبار المياه النقية بمثابة حق للناس جميعا يعني أنه لا يحق لشركة أو لأي طرف آخر بسرقتها وتلويثها (بمواد كيماوية) وبيعها بأرباح خيالية مما يؤدي إلى أن يصبح الماء العذب نفسه غاليا جدا بالنسبة للأغلبية الساحقة من الناس، وبالتالي حرمانهم منها (هذا ناهيك عن أن مثل هذا الوضع سيؤدي بلا محالة إلى حروب ستكون أشرس بكثير من أي حروب مضت).  إن نمط استهلاك الماء في الوقت الحالي هو غير حكيم (في ألطف تعبير).  إن تقنين الماء وبيعه يتطلب تكنولوجيا وعلوما، بما في ذلك علم التسويق، بينما إعادة النظر في أنماط الاستهلاك يعكس حكمة ومعرفة، غير معترف بهما عادة في الجامعات. [يمكن أن نتساءل هنا مثلا: لماذا هناك لجنة وطنية في كل دولة عربية حول "التعليم للجميع" بينما لا توجد لجنة حول "ماء نقي للجميع"؟]  أما المثال الثالث حول أهمية ما أعنيه بكلمة إدراك فهو شعار نسمعه بكثرة حاليا ألا وهو محاربة الفقر، والذي ترفعه حكومات ومنظمات أهلية ودولية، بما في ذلك اليونسكو.  المشكلة لا تكمن في محاربة الفقر وإنما في محاربة الجشع، ويستتبع هذا التحوّل في الإدراك تحوّلات في أنماط السلوك والتفكير.  [يوضح هذا المثال سهولة السيطرة على العقول عن طريق اللغة].

من الضروري توضيح أمر آخر في هذا المضمار.  ربما يقول البعض أن اعتقاد شخص بأن ما يؤمن به هو الأصح وهو عالمي ليس بالأمر الجديد على البشر.  لكن هناك اختلاف شاسع وجذري بين أصولية فكر يملك أدوات ووسائل يدعي أنها موضوعية ومحايدة لفرض مسار وحيد للتقدم وبين أصوليات (كالأصولية في الدين) تعتقد بأنها الأصح ولكن تقبل بوجود أصوليات أخرى، كما أنها لا تملك أدوات لفرض مسارها على العالم.  هناك فرق شاسع بين الإيمان بأن ما يفكر فيه الشخص هو عالمي (وهو إيمان قديم قدم المجتمعات البشرية) وبين ابتكار وسائل وأدوات لفرضه عالميا ومنع غيره (وهو ظاهرة جديدة على البشرية لا يزيد عمرها عن بضع مئات من السنين).  إيجاد مثل هذه الأدوات يشكل عبودية من نوع لم يألفه الإنسان من قبل.  ولعل احتكار المدارس (كأداة) للتعلم في العصر الحديث أي أصولية التعليم هو أشهر مثال على هذه الظاهرة، فهو يغلق جميع الطرق في الخيال وعلى الأرض بحجة أنه وصل القمة في التفكير!  يكون تماما مثل الواقف على قمة جبل إذ لا يوجد مخرج أو طريق إلا النزول إلى تحت، وهذا بالضبط ما آمل أن يحدث: أن ننزل من البرج العاجي الذي تضعنا فيه فكرة وجود مسار وحيد للتقدم.

يتطلب الخروج من قفص هذا المسار إنزال العقل عن العرش الذي تبوأه منذ ديكارت على الأقل وإطلاق سراح الحكمة من السجن الذي وضعها فيه العقل. العقل أداة وليس سيدا، ومن الضروري أن يعود كذلك.  والخلل الرئيسي في العقل، كما يظهر، هو أنه يمكن خداعه بسهولة عن طريق الكلمات والمعاني والمقاييس والمعايير وعن طريق ما يُعتبر له قيمة وما ليس له.  مثلا، عندما يُقيَّم في الأردن 108,000 طالب وطالبة في عمر 18 سنة عن طريق امتحان واحد اسمه التوجيهي (وهذا صحيح في كل دولة تقريبا مع اختلافات بسيطة مثل اسم الامتحان: بكالوريا أو IB أو امتحان لندن) بحيث تتحدد قيمتهم ويتحدد مستقبلهم بناء عليه، دون أن نرجف في أعماقنا، من الواضح أن عطبا حصل لعقولنا لا يمكن تفسيره بدون العودة إلى تاريخ نشوء التعليم في العصر الحديث.  كيف يمكن خداع العقل بهذه السهولة، ويُطلَق على ذلك اسم تقدم وتنمية بشرية، يبقى بالنسبة لي سرّا لا أفهمه!  وسواء فهمناه أم لم نفهمه، يبقى ظاهرة خطيرة، من الغريب أننا لا نتحدث عنها.  لعل أول شخص رأى بوضوح عجيب هذه الإمكانية لخداع العقل والسيطرة على الإنسان، ووظف اللغة كأداة للسيطرة على العقول، ووضع خطة متكاملة لتطبيقها كان "نبريها" في العام 1492 [انظر القصة كاملة في Ivan Illich, Shadow Work ].  هذا لا يعني أن الأقدمين لم ينتبهوا إلى دور اللغة في السيطرة على مجريات الأمور، إذ انتبه الصينيون القدماء إلى ذلك عندما قالوا بأن من يعرّف الكلمات يكسب الحجج، ولكن لم يصل الحال بهم إلى ابتكار أداة ووضع خطة للسيطرة على عقول جميع الأطفال.

 نبهني وعيي للمعرفة التي جسدتها أمي إلى عدة أمور ما زالت منذ ذلك الحين تثيرني وتلهمني في فكري وعملي وتعبيري وإدراكي.  بدأت أؤكد مثلا في عملي مع معلمي الرياضيات على أنه لا يوجد طفل غير منطقي، وإذا قابلنا طفلا لا نفهم منطقه أو لا نوافق على منطقه فإن ذلك لا يعني أنه غير منطقي.  وهذا بلا شك يضع علينا مسؤولية من نوع آخر إذ يتطلب منا وضع جهد لمحاولة فهم منطق ذلك الطفل بدلا من حل المشكلة عن طريق اتهامه باللامنطقية، كما يؤثر على كيفية تقييمنا وتعاملنا مع الطفل، وعلى إعادة النظر فيما نعنيه بمنطق ومعرفة.  كذلك بدأت أعي بقوة ما هو موجود في الحضارة والثقافة العربية، والذي عتّم عليه أيضا، لأستقي منه وأُلهم به، وتجسد هذه الورقة هذا الوعي والاقتناع والنهج والروح.

إضاءة أولى حول "قيمة كل امرئ ما يحسن"

قلت: كان لوعيي بالمعارف الموجودة في العتمة أبعاد عملية، مثلا في إنشاء مؤسسة تامر عام 1989 ، وفي إنشاء "الملتقى التربوي العربي" و"قلب الأمور" في العام 1998 ، والآن في طرحي في هذه الورقة بالنسبة لعبارة "قيمة كل امرئ ما يحسن".  فكما احتجت إلى ثماني سنوات من التأمل والتفكر قبل أن أتجرأ على التعبير علانية عن المعرفة والحكمة المتضمنة في حياة أمي، احتجت إلى خمس سنوات من التأمل والتفكر في قول علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، "قيمة كل امرئ ما يحسن"، قبل أن أتجرأ (كما أفعل هنا) في طرحه كمبدأ وكتجسيد للتنوع في إدراكنا لمفهوم وإنشاء جامعة. أعود لأؤكد على أن ما أطرحه هنا هو ضرورة التحرر من براثن وحدانية مسار التقدم، وبالتالي يشكل المثال الذي أرتكز عليه هنا أحد الكنوز التربوية التي يمكن أن نسير وفقها، وما من شك أن هناك كنوزا أخرى تنتظر من يخرجها إلى النور.  من هذا المنطلق، يمثل طرحي هنا نقطة تحوّل أخرى هامة في حياتي.  أجد نفسي أنني أقف نفس الموقف الذي وقفته قبل عشرين سنة بالنسبة لمعرفة أمي لأعرض مبدءا عمره 1400 سنة كمحور لإنشاء جامعة.

إن إهمال "تقرير التنمية الإنسانية العربية" للغنى الموجود في الحضارة العربية غريب في ضوء الشعار الذي يرفعه التقرير والقائل بأن "المنطقة العربية أغنى مما هي نامية".  فالتقرير لا يبني على هذا الغنى، ومثال ذلك أمثلة يذكرها التقرير إلا أنه يحشرها ضمن مربعات لا يسمح لها بالخروج لتصبح جزءا من النقاش والتحليل في التقرير، وتمثل عبارة "قيمة كل امرئ ما يحسن" أحد هذه الأمثلة ، إذ يضعها التقرير في مربع ولا يسمح لها بالخروج منه أبدا.  ولكن هناك مصيبة من نوع آخر، فالعبارة مترجمة على صفحة 82 في التقرير هكذا  A person is worth what he excels at وهي ترجمة ذات دلالات عدة تعكس بعض ما أنبه له وأعرضه في هذه الورقة.  إن اعتبار تعبير excel at كرديف لتعبير "ما يحسن" هو خطأ غير مبرر، إذ أن المؤلفين والمستشارين عرب، ولكن ذلك يوضح لنا أن المشكلة لا تكمن في أسماء الأشخاص وأين ولدوا وإنما في الفكر والإدراك.

لننظر إلى تعبير "ما يحسن" في اللغة العربية.  تعني أولا أن قيمة المرء تكمن فيما يتقنه وهذا يتطلب معارف ومهارات، وتعني ثانيا الجمالية والتي تعكس أهمية الحواس، وتعني ثالثا العطاء فقيمة الإنسان تكمن فيما يعطيه من ذاته وليس ما ينقله عن غيره، وتعني رابعا العمل الحسن بمعنى أنه لا يضر الناس والمجتمع والطبيعة، وتعني خامسا حُسنَ الجدل والحوار بما يشمله ذلك من أدب وخلق (وجادلهم بالتي هي أحسن). (1)  [من المجدي أن ننظر إلى عمل ومعرفة أمي وكيف تجسّد هذه المعاني، بينما، في المقابل، فإن المعرفة المعترف بها والموجودة  تحت الأضواء مرتبطة عادة بقيم السيطرة والفوز والربح وباكتساب رموز وأدوات مرتبطة بهذه القيم.]

عندما قرأت العبارة لأول مرة في كتاب "البيان والتبيين" للجاحظ في العام 1998 ذهلت لأني رأيت فيها ما يمكن أن يكون أساسا للتربية العربية في العصر الحاضر، وقد أصبحت العبارة عنوان سلسلة الكتب السنوية التي صدرت عن "الملتقى التربوي العربي".

في مقابل هذا الغنى الهائل والرائع في اللفظة العربية تبدو الكلمة الإنكليزية هزيلة وفقيرة، بل وتنطبق على حالات لا تنطبق عليها معاني الكلمة العربية.  مثلا excel at تنطبق على قائد طائرة حربية يتقن ضرب ملجأ فيه مدنيون ويقتلهم عن بكرة أبيهم بينما "ما يحسن" لا تنطبق.   لذلك، عندما سألتني نادية الشيخ أي لغة أود أن أتكلم وأكتب فيها، كان واضحا في ذهني أن اللغة الإنكليزية قاصرة عن قول ما أود قوله، فما أود قوله يقبع في العتمة التي لا تفهمها لغة مثل الإنكليزية. [من هذا المنطلق بالذات أرى الهجمة على العرب والإسلام خاصة في المرحلة الحالية على أنها هجمة بسبب الغنى الهائل والرائع الموجود في هذه الحضارة والذي يتطلب وضع هذا الجهد الخارق لمحاولة طمسها والبرهنة على أن لا قيمة لها!  قولي هذا ليس دعوة للتعامي عن مناقشة ما يحتاج إلى إعادة نظر في الحضارة والثقافة والممارسة، وإنما للتوقف عن التنافس حول من منا كعرب سيسبق الآخرين ليكون في مقدمة هذه الهجمة التحقيرية للذات.  ويدخل ضمن هذه الهجمة محاولة الصهيونية رسم صورة سلبية عن الفلسطيني، رغم أن ما حصل خلال الثمانين عاما الماضية تضع الفلسطيني في موقع يعكس القوة الموجودة في الناس والمجتمعات.  وقد عبّر عن ذلك "مارك إلس" وهو لاهوتي يهودي بقوله أن قدرة الفلسطيني على إبقاء his compassion حتى وهو متألم، هو أمر يدعو إلى الإعجاب.  حتى فريق البنك الدولي الذي قدم مؤخرا تقريرا عن الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة عبّر عن نفس هذه الظاهرة بقوله أن أي مجتمع يتعرض لما يتعرض له الفلسطينيون كان سينهار تماما].

لهذا كله، سآخذ الشعار الذي يرفعه التقرير ألا وهو "المنطقة العربية أغنى مما هي نامية" على محمل الجد وسأختار عبارة "قيمة كل امرئ ما يحسن" كمثال لتجسيد ذلك.  كذلك، فإن سجن التقرير للعبارة داخل مربع لذي دلالة كبيرة لما حدث تاريخيا حيث سجن العقل الحكمة منذ ثلاثمائة سنة على الأقل، ف excel at كلمة تقنية علمية بينما "ما يحسن" تعكس وتجسد حكمة.

اخترت هذه العبارة لتكون مبدأ أساسيا في إنشاء جامعة في هذه الورقة للأسباب المذكورة بأعلاه.  اخترتها لأنها تجسد تنوعا وحكمة تتخطيان العقل والعلم، واخترتها لأنها تحترم الإنسان وتعتبر أن كل إنسان له قيمة، اخترتها لأنها تحرر الخيال من هيمنة فكر أحادي عالمي وتغنيه بإدراكات متنوعة، ولأنها تعيد المسؤولية إلى الفرد والمجتمع، ولأنها تقيس قيمة الشخص ليس عن طريق المقارنة مع غيره وإنما مع ذاته وبموجب النسيج الذي يجدله مع من وما حوله (فكل إنسان كامل بطريقة فريدة كما يقول المثل الهندي، إذ أن ما يحسنه الشخص يختلف من شخص إلى آخر ومن موقع إلى آخر ومن زمن إلى آخر بحيث لا يمكن اختزاله وقياسه حسب مسطرة خطية رأسية)، كذلك فقد اخترت العبارة لأنها تعكس مفهوما وإدراكا آخرين للمعرفة، ولأنها تنظر إلى الأمور بترابطاتها وسياقاتها وعلاقاتها وعواقبها، وأخيرا اخترتها لأنها تعكس معنى للتغيير يجسد المبدأ القائل بأهمية "تغيير التقاليد بطرق تقليدية" وليس بطرق قسرية تمزق النسيج المجتمعي وتحول العالم الداخلي للشخص إلى ركام.

جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن"

ما أقترحه هنا هو إنشاء جامعات تجسد مبدأ "قيمة كل امرئ ما يحسن" وتستلهم به، فكرا وعملا وبنية وتعبيرا، كأحد الطرق لإدراكنا لمفهوم جامعة.  أقترح هذا كما سبق وقلت ليس كنموذج جاهز للتطبيق أو كحلٍّ عالمي (ففكرة النموذج والحل العالمي يرتبطان عادة بعقل عبودي)، وإنما كمثال على رؤيا وإدراك يساعدان على تحرير الفكر والخيال والعمل من دكتاتورية نموذج أحادي يؤمن بمسار وحيد للتقدم، ويمتلك أدوات لفرضه.  سأذكر فيما يلي بعض معالم تصور أولي، آملا أن يتم في وقت قريب بحث ومناقشة الفكرة بشكل موسع ومعمق مع بعض المهتمين، ومن ثم عرضها على جهات ذات علاقة بالموضوع في الدول العربية لعل أحدها يتحمس للخروج من القفص الفكري ويفتح المجال للتنوع والتجربة.

كل حضارة لها معالمها ومساراتها، وكل شعب له مقوماته، وكل واقع له ميزاته، وكل ثقافة لها جماليتها وروعتها، وكل شخص "كامل بطريقة فريدة".  لذا فإن جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" لا تبدأ بقوالب جاهزة وبدوائر وتقسيمات مألوفة وما على الطالب إلا أن يختار القالب الذي يكون مستعدا أن يحشر عقله وقلبه وروحه فيه، بل "يفصّل" هو والجامعة ما ينطبق على ما يرغب في أن يحسنه.  يتطرق "تقرير التنمية البشرية" قليلا إلى التنوع وما يمكن أن يميز الجامعات العربية (انظر مثلا الصفحات 74-72 ) حيث يذكر بعض الأمثلة ولكنه يذكر فقط أمثلة تتعلق بالعلوم مثل تحلية مياه البحار ومثل الطاقة الشمسية، وهي أمثلة جيدة، ولكنه يهمل أبعاد أخرى هامة، إذ لعل أغلى ما نملك هو التنوع الحضاري والثقافي والعمق التاريخي والتنوع الجغرافي والتعددية في المنطلقات والفلسفات والأديان وأساليب العيش والزخم التعبيري والبعد الروحي  وهذه أمور نعيشها بأوضاع مختلفة في البلدان العربية وهي جزء من الغنى والتنوع المتوفرين لدينا.  لذا فإن جزءا كبيرا من قيمتنا مرتبط بهذه الأمور، وهذا يعني البدء بالإصغاء للواقع (بما في ذلك الثقافة والحضارة والتاريخ) ولما يجري بداخلنا، فالعلاقة بين الاثنين يمكن أن تكون مصدرا لمواضيع دراسية عديدة ومتنوعة، بدلا من المواضيع المعلّبة مسبقا وعلى الطالب أن يفصّل نفسه على مقاسها!  أي أن المواضيع في جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" لن تكون ثابتة وإنما متغيرة حسب الطلبة وحسب ما يرغبون في أن يحسنوه.  فالهدف هو توفير جو يتمكن الطالب من خلاله أن يتواصل ويتفاعل مع موارد بشرية وحياتية وطبيعية ومعرفية يحتاج لها في بلورة ما يحسن.  أحد ما ينتج عن التقسيم للمعرفة في الجامعات حاليا (أي فصل المواضيع والمجالات ضمن دوائر) يؤدي بنا إلى النظر إلى الحياة كمن ينظر إلى وجهه في مرآة مكسرة، إذ سيرى وجهه مشوها.

بعبارة أخرى، تشكل التعابير والمفاهيم الحضارية بشتى أنواعها بعض ما يمكن أن يختاره الطلبة لمتابعة ما يودون أن يحسنوه من خلال جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن".  لبنان والعراق والمغرب والسودان أمثلة حية منذ آلاف السنين على معنى التعددية، وبالتالي يمكن أن تكون الجامعات فيها مصدرا لتكوين/ بناء فكر وإدراك ومعارف تتعلق بهذا المفهوم الذي، في رأيي، من أهم المفاهيم في العصر الحاضر والتي من الضروري بلورة معان لها.  كذلك فإن تجربة العرب في الأندلس والعراق في الماضي وفي فلسطين خلال عقد السبعينات وخلال السنوات الأولى من الانتفاضة الأولى أمثلة ملهمة لما يشار إليه في الوقت الحاضر بمجتمع مدني، لذا يمكن أن تشكل هذه الخبرات أساسا لبلورة معان ومعارف حول الموضوع.  والعرب من الشعوب القليلة التي في استطاعتها أن تقرأ ما كُتب قبل ما يزيد عن ألف سنة وتفهم بدون وسيط أو مفسّر، أي معرفة كيف كان الناس يرون ويعبّرون قبل ألف سنة عن أبعاد وقضايا مختلفة في الحياة (أنظر، كمثال، كتاب "محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء" لأبي القاسم الأصفهاني والذي يتكلم فيه عما كان يفكر ويعبّر عنه الناس في مختلف المجالات الحياتية).  وكثير من الفنون والعلوم الإنسانية نشأ في هذه الديار مما يجعل التاريخ جزءا مما ندرك.  والأديان الثلاثة نشأت أيضا في هذه المنطقة  ودراسة كيف أمّن الناس الماء عندما بنوا حضارات في الصحاري في المنطقة العربية (البتراء وتدمر على سبيل المثال، حيث طورت تلك الحضارات حلولا لمشكلة المياه بينما يعاني الناس في نفس المناطق حاليا من قلة المياه رغم التطور التكنولوجي) ونباتات الصحراء والحياة في الصحراء  وحضارة ما بين النهرين وحضارة النيل وحضارة اليمن  نعيش جغرافيا في منطقة تتلاقى فيها حضارات متنوعة وعديدة التنوع الجغرافي والتنوع التضاريسي والتنوع الحضاري  بعض المدن التي تُعدّ كنوزا مثل حلب وفاس والقاهرة وبغداد والقيروان، وأيضا بعض الكنوز الطبيعية مثل البحر الأحمر والبحر الميت (كيف نحمي البحر الأحمر مثلا من أخطار مشاريع التطوير الحالية والمستقبلية، ويكون مكانا للترفيه والاستمتاع والدخل؟) أقول، يمكن أن تشكل هذه الكنوز الحضارية والطبيعية اهتمامات لعاشقيها فتساعدهم الجامعة على التعمق فيما يودون أن يحسنوه في هذه المجالات، قبل أن تقضي عليها مشاريع وبرامج التنمية   كما يمكن أن تشمل كيفية استعادة القدرة على بناء مراكب والتعامل مع الثروة السمكية في البحار؟    كل هذه يمكن أن تكون أمثلة يعيشها أشخاص ويمكن أن تكون أساس قيمتهم فيما يمكن أن يحسنوه  التقليد والمنافسة ليسا طريق المستقبل، لن نستطيع كما يجب أن لا نطمح أن ننافس أحدا في صنع طائرات حربية أو قنابل نووية، أو أن نقلد هذه الجامعة أو تلك (فمن الضروري أن نتذكر بأن قيمة أفضل تقليد للوحة مثل الموناليزا لا يتعدى ثمن الورق!).  هذه المواضيع تشكل جوهر الحياة، بينما التكنولوجيا والعلوم هي بمثابة أدوات هامة للتعامل مع الحياة، ومن الضروري أن نعاملها كأدوات وأن لا تتحول إلى سيد متسلط.  في جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" من الضروري أن لا نهمل الجوهر وأن نتعامل مع أية أداة على أنها أداة وليست سيدا.

أما بالنسبة لمن يقول بأهمية وجود تخصصات بالشكل الذي توجد فيه في الجامعات حاليا، فليكن.  أعود لأذكّر بأن القيمة الأساسية التي أعتمد عليها في هذه الورقة هي التنوع في الإدراك والبنية والمرفق والموقع.  كل ما أدعو له هو عدم احتكار أي فكرة أو إدراك في أي مجال لما يمكن أن نتخيله ونفعله في ذلك المجال، فالاحتكار (خاصة في الفكر والإدراك) يخلق عقلا عبوديا ونفسية مهزوزة وخللا خطيرا في المجتمعات وبالتالي في العالم.

مثال هام على التنوع في طرق التعلم والذي يعكس أسلوبا في طريقه إلى الاختفاء، ويمكن أن يكون جزءا هاما في جامعة  "قيمة كل امرئ ما يحسن"، هو المجاورة apprenticeship .  من الأهمية بمكان إعطاء المجاورة شرعية وجزء من الميزانية العامة. نحن (في "الملتقى التربوي العربي") بصدد العمل بموجب هذه الطريقة في التعلم، وسنبدأ بجمع عدد من الفنانين في الدول العربية الذين يعملون في مجال الرسم (خاصة بالنسبة لإصدار كتب ومجلات للأطفال) لأن يلتقوا مع الفنان المصري محيي الدين اللباد مدة شهر ويعملوا معا الأمل هنا أن لا تبقى هذه الأمور متفرقة و"موسمية" بل تصبح جزءا رئيسيا من عمل جامعات "قيمة كل امرئ ما يحسن" مثلا.  إن الإيمان بأن التكنولوجيا ستخلص الشعوب من التخلف، واعتبار التكنولوجيا أهم من كتابة قصة مثلا، هو أمر يدعو إلى الشفقة في أقل تقدير، إذ أن من الواضح أن معرفة التكنولوجيا يمكن أن تُتقن عن طريق التدريس ويمكن اكتسابها بسهولة نسبيا، بينما كتابة قصة ملهمة وممتعة لا يمكن أن يتم بواسطة الطرق العادية في التدريس، بل عن طريق اندماج الشخص بحواسه وعقله وقلبه مدة من الزمن في أجواء حياتية حقيقية غنية بحيث تشكل رئة أساسية للتنفس الفكري والثقافي والروحي.  ما أقترحه هنا هو أن تكون "المجاورة"، كأسلوب في التعلم، جزءا من جامعة  "قيمة كل امرئ ما يحسن"، فهناك أشخاص عديدون في البلدان العربية يمثلون "كنوزا بشرية حضارية"، يمكن أن يلهموا ويساعدوا أجيالا من الشباب والصغار فيما يرغبون أن يحسنوه، وبالتالي يسهموا في بناء قاعدة بشرية من نوع لا يهتم بالسوق والتنافس فقط.  لا توجد حاليا فسح لمثل هذا التعلم، فسح وأجواء وبيئات غنية يتغذى منها طالبوا العلم والمعرفة والفهم والحكمة، تتمثل بوجود موارد وخبرات متنوعة وعديدة ولعل أهمها وجود أشخاص لديهم مبادئ واضحة لا يفعلون ما يتناقض معها (مهما عرض عليهم من مكاسب) ولديهم عاطفة قوية نحو ما يفعلونه وحب جم للناس والحياة ويجسدون في حياتهم ما يقولونه ويفكرون فيه.  من الواضح أن هذا هو إدراك للجامعة مختلف تماما عما هو سائد.

إلى جانب المجاورة كأسلوب/ منبع للتعلم، هناك منابع أخرى للتعلم وبناء معرفة وفكر ومعان وفهم والتي يمكن أن تكون جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" مناسبة لها، ولكنها مثلها مثل المجاورة غائبة تماما من الإدراك والعمل في الجامعات حاليا.  وأتكلم هنا عن التعلم وبناء فكر وفهم عن طريق التأمل والتعبير والصياغة للخبرات في شتى المجالات.  هذا النوع من المعرفة مهمل إذ أن التركيز الحالي يقتصر على حفظ نظريات ومعارف جاهزة أو في أفضل الأحوال على المشاهدة والتجربة والبحث.  لنأخذ موضوع المؤتمر على سبيل المثال، لا توجد لدينا تأملات وصياغات (إلا ما ندر) لإداريين أو أساتذة أو طلبة تعكس خبراتهم وتجاربهم في الجامعات لتكون أساسا لبناء مفاهيم ومعان ومعارف، بحيث تشكل مراجع يمكن الاعتماد عليها في تكوين أدراكات وإنشاء جامعات.  وكذلك الحال بالنسبة لمواضيع أخرى مثل الصحة والزراعة إلى آخر ما هنالك من مجالات الحياة.

من الصعب إنشاء جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" بشكل تكون فيه منعزلة عن الناس وعن الحياة، وبشكل يكون فيها أساتذة متفرغون أو أن تقتصر علاقتهم بالحياة عن طريق العمل ك"مستشارين"!  فلو أخذنا الفلسفة كمثال، من الضروري أن يتم تعليمها عن طريق أشخاص يجسدونها في أسلوب حياتهم، وليس فقط يعرفونها من خلال عقولهم.  ومن الواضح أن عمر الشخص الذي يود بناء قيمته عن طريق ما يحسن أمر غير هام بالمرة في مثل هذه الجامعة.

هنا أعود إلى النقص الثالث المذكور في "تقرير التنمية الإنسانية"، والذي أشرت إليه سابقا، ألا وهو النقص في المعرفة.  في عالم تسوده همجية الاستهلاك، بأدواته الاجتماعية والتكنولوجية والعسكرية، وبالقيم التي تحكم الاستهلاك (مثل الجشع والسيطرة والفوز على الآخرين والربح السريع بغض النظر عن الثمن الذي ندفعه على الصعيد الاجتماعي والنفسي والبيئي)، ليس من الحكمة أن تقتصر المعرفة على ما يخدم منها عالم الاستهلاك، بل من الضروري أن تتعداها لمعرفة الثمن الذي يدفعه الناس والطبيعة من جراء تلك المعرفة. في الجامعة المقترحة، لا يكفي معرفة ما يضيفه علم الكيمياء مثلا وإنما أيضا ما يطرحه، إذ  على حد تعبير Wendell Berry أحد مميزات الإنسان المعاصر أنه نسي عملية الطرح!  فعلم الكيمياء خلال القرن العشرين، مثلا، كان أكبر ملوّثٍ للطبيعة ولجسم الإنسان عبر التاريخ، مما يعني أن الحائزين على جوائز نوبل في هذا العلم ساهموا في عملية التلوث!  إن عدم الشعور بالمسؤولية هي ظاهرة عامة بين أغلبية العاملين في الوسط الأكاديمي والعلمي.  هذا لا يعني أن البعض لم يثر هذا الموضوع، فمثلا تساءل أوبنهايمر، عالم الذرة الذي كان جزءا من الفريق الذي ساهم في صنع القنبلة التي أُسقطت على هيروشيما ونجازاكي، عن مسؤولية العلماء فيما حدث، وكان جزاؤه أنه مُنع من العمل عدة سنوات!  لهذا بالضبط كان من الضروري أن يسجن العلم الحكمة حتى يخلو له الجو ليتقدم بسرعة رهيبة دون رادع أو محاور، ودون رقيب أو حسيب.  لا تزال الحكمة مسجونة ولا يزال العلم خادما أمينا لمن هم في موقع القوة.  إن ظاهرة نسيان عملية الطرح عامة وفي معظم المجالات.  فالتربوي عادة يعدد فوائد التعليم ولكنه ينسى ذكر المضار.  كذلك، فإن العاملين في مجال التنمية يتكلمون عن حسناتها ولكن ينسون أن يذكروا ما حصل في البرازيل والأرجنتين والهند ومعظم دول أفريقيا السوداء و سكان الأمازون الأصليين وما يزيد عن ستين دولة أخرى من جراء مشاريع وسياسات التنمية في هذه البلدان!  يركز الإنسان المعاصر على المنافسة وعلى التفكير العلمي والتكنولوجيا ودورها جميعا في تقدم الإنسان ولكن ينسى أن يعدد ما نخسره من جراء ذلك على أصعدة أخرى.  من الصعب على العلم والمعرفة أن يريا الصورة الكلية إذا لم ترافقهما حكمة. بناء على كل ذلك، فإن النقص في المعرفة الذي يشير له التقرير هو غير النقص في المعرفة الذي تجسده هذه الأمثلة.  من هنا، فإن جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" لن تهتم فقط بما يضيفه عمل أو علم وإنما أيضا بالصورة الكلية (وهذا جزء من الحكمة).

كذلك الحال بالنسبة لقضية المياه، وهي قضية هامة عالميا ولكن بشكل خاص في المنطقة العربية.  وهي قضية مهملة أو مهمشة في المناهج والجامعات، وتثار في أحسن الأحوال كأنها موضوع أكاديمي وليس حياتي يمس جميع الناس ويشكل أحد أخطر المواضيع، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق.  وإذا استمرينا بالتعامل معها بطريقة علمية فقط ومن منطق القوة والسوق وبدون حكمة فإننا سنجد أنفسنا في نفس الحال الذي نجد أنفسنا فيه اليوم لأننا رفضنا في السابق التعامل مع قضايا أخرى احتاجت إلى حكمة (فقد كانت تقبع في سجن عميق)، وكان من يأتي على ذكرها يُستهزَأ به.  لذا فإن أي بحث أو دراسة حول موضوع المياه من الضروري أن يشمل دراسة أنماط استهلاك المياه وكيفية تغيير هذه الأنماط بحيث لا نجد أنفسنا، أو تجد الأجيال القادمة نفسها، دون مياه.  بعبارة أخرى، يشكل النظر في عواقب سلوكنا جزءا هاما من المعرفة، بحيث نفكر في ما نحسن (أي الذي يعني في هذه الحالة اختيار ما هو حسن للمجتمع والأجيال القادمة).  ومن بين الأبعاد المتعلقة بموضوع المياه أيضا المعارف المرتبطة بكيفية التخلص أو التعامل مع المياه والمواد الصلبة العادمة (أي المجاري).  فكليات الهندسة والصحة العامة تنظر إلى الموضوع من وجهة نظر هندسية وعلمية فقط بالنسبة لتمديد الشبكات إلخ، وتعتبر تمديد مثل هذه الشبكات تنمية وتقدما بغض النظر عن الموقع ومدى توفر المياه في البلد  في المقابل، إذا نظرنا إلى الموضوع من وجهة نظر تتضمن حكمة، يصبح السؤال: كيف يمكن تطوير طرق في التعامل مع المواد العادمة بحيث تتوافق مع مقدار المياه المتوفرة في البلد؟  فمثلا، في بلدان مثل البلدان العربية (ربما باستثناء لبنان)، ألا يشكل سحب أكثر من عشرة لترات من الماء العذب بعد ما يعادل كأسا من البول، انتحارا بيئيا ومجتمعيا، وعدم مسؤولية تسير بنا إلى كارثة محتومة (إلى جانب أنها طريقة تقتصر، في أحسن الأحوال، على 20% من السكان في على حساب ال 80 % الباقين، إذ لا يوجد ماء للجميع)؟  كذلك، فإن الطريقة المتبعة حاليا خطيرة بيئيا لأنها تمتص مواد هامة من التربة (مثل النيترات) وترمي بها في البحار والأنهار والبحيرات (مما يضر التربة والأسماك والمرجان وغيرها من كنوز الطبيعة)؟  في عالم التنمية يشكل بناء شبكات مجاري في معطم الدول العربية على الطريقة الأوروبية والأمريكية تقدما، ولكن في عالم الحكمة يعكس ذلك جهلا بالواقع وبلادة في الحواس وفقرا في الخيال وانعداما في تحمل المسؤولية، على المستوى الفردي والجماعي.  كذلك فقد ذكرت سابقا أبعاد أخرى ذات علاقة بموضوع المياه   من الضروري أن تكون هذه المواضيع جزءا من الجامعات وليس فقط اهتمام بعض الأفراد والمؤسسات الأهلية.

مفهوم مجتمع معرفي وتعلمي يشمل أيضا معرفة ماذا نأكل وماذا يأكل أطفالنا وماذا يوجد في هذه الأطعمة، وهذا يتطلب علوما عديدة من النوع الموجود في الجامعات الحالية، ولكن إلى جانب ذلك، يشمل أيضا معارف حول تأثير غزو الأطعمة السريعة على المجتمع والطبيعة والجسم والعلاقات، وأن نطرح أسئلة مثل: لماذا حق الأطفال في حمايتهم من "الجنك" (في الطعام والشراب والترفيه والعلاقات) غائب من ميثاق حقوق الطفل؟

ألا يتضمن مجتمع المعرفة أيضا معرفة مستفيضة بالمجتمعات التي نلهث وراءها كنموذج نتبعه في حياتنا، قبل أن نركض باتجاهها بشكل أعمى؟  لماذا لا توجد مراكز لدراسة المجتمع الأمريكي في الجامعات الحالية مثلا؟  وفي المقابل، لماذا لا توجد جامعات تدرّس عن مجتمعات أهملناها مثل الهند والصين وإيران وأفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية؟  ينبع سؤال من المبدأ المقترح في هذه الورقة من الضروري أن يُطرح على الجامعات القائمة حاليا: ماذا يحسنون وماذا يحسن خريجوهم؟  كذلك، ألا يتضمن مجتمع المعرفة التمييز بين العلم والحكمة؟  أليس من الهام إعادة النظر في أي أداة تحولت إلى سيد وكيف نستردها كأداة، مثل السيارة واللغة والمدرسة؟

جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" تجسد قيما مثل إرضاء الضمير (وليس المعلم أو المنهاج)، والصدق مع الذات والآخرين (أي أن يقول ما يعنيه ويعني ما يقوله)، وبناء إنسان صالح وليس مواطن صالح (فالمواطن الصالح يكون ولاؤه عادة للدولة وليس للإنسان)، والبدء بالوجود وليس بنظريات ومفاهيم ونماذج جاهزة، والتعرف على الطبيعة والناس وأن لا يكون التعرف على الكمبيوتر مثلا بديلا لها    القيمة التي تحكم كثيرا من العلاقات والممارسات الحالية في المدارس والجامعات هي خداع الذات والآخرين (وغالبا ما يحدث أن يصبح هذا الخداع طبيعة ثانية فينا فلا نعيها)، فإرضاء الأستاذ والسير على الطريق المسموح به يحكمان ما يفكر فيه الطالب وما يقوله علنا، وإلا فلا نجاح ولا شهادة ولا قيمة!

"جامعة بيرزيت" خلال عقد السبعينات كمثال ملهم

تكون هذه الورقة ناقصة إذا لم أنوّه (ولو باختصار) إلى خبرتي في جامعة بيرزيت والتي عملت فيها من العام 1962 وحتى العام 1989 (باستثناء فترات)، والتي جسدت لي خلال عقد السبعينات جزءا من الروح التي أتكلم عنها هنا، إذ كانت أقرب جو عشته في جامعة إلى مبدأ  "قيمة كل امرئ ما يحسن".  بدأت الجامعة كمدرسة ابتدائية في العام 1924 في بلدة بيرزيت، وكان ما ميزها على الدوام هو تحسسها للأوضاع من حولها فنمت بشكل تجاوب مع الظروف.  التحقتُ بالهيئة التدريسية في العام 1962 وكانت بيرزيت عندها كلية متوسطة (أي سنتان جامعيتان)، وفي ذلك العام تمت موافقة الجامعة الأميركية في بيروت على قبول الطلبة من بيرزيت بناء على توصية من الكلية فقط.  وقد عُدّ ذلك انتصارا للكلية في حينه، وكانت الكلية تفتخر بأن المعدل العام لطلبتها الذين التحقوا بالجامعة كان أعلى من المعدل العام لطلبة الجامعة.  بعبارة أخرى، كانت بيرزيت تستمد قيمتها من علاقتها بالجامعة الأميركية وليس من ذاتها أو "مما تحسنه".  استمر ذلك الوضع حتى بعد حرب عام 1967 لكن أصبحت الحركة والسفر أصعب بكثير بالنسبة للطلبة من فلسطين مما حدا بالجامعة في العام 1973 أن تمدد سنوات الدراسة إلى أربع سنوات.  بدأ تحوّل مذهل لم يكن مخططا أو مقصودا وإنما نمى بشكل عفوي تلقائي بفعل تفاعلات ذاتية وتفاعلات مع المجتمع، وأيضا نتيجة أن بيرزيت وجدت نفسها وحيدة تتصارع مع "رياح عاتية" من كل صوب، مما أكسبها قوة ومناعة داخلية وأعطاها صحة وقدرات ذاتية.  ولعل أهم ما ميزها في تلك الفترة هو إصغاؤها للواقع من حولها والتفاعل معه بشكل عضوي، أي كانت جذورها في المجتمع تتغذى منه وتغذيه.  لم تلعب بيرزيت لعبة التنافس مع غيرها أو تحاول تقليد غيرها، ولم تكن عبدا لفكرة first class university ولم تكن خائفة من "التخلف عن الركب".  كانت قيمتها تكمن فيما تحسن، وفي حيويتها الداخلية، وفيما تستمده من العلاقة العضوية مع محيطها.  كان التعلم يعني أكثر من قراءة كتب مقررة والنجاح في امتحانات أغلبها لا يضر ولا ينفع.  لم تكن العلاقة بين الأساتذة والجامعة علاقة موظفين بمؤسسة، بل كان الشعور بأننا شركاء في تكوين الجامعة وهو شعور كان أيضا لدى الطلبة.  كانت المسافة بين المدرسين والإدارة والطلبة شبه معدومة، وكانت النقاشات بين الجميع شبه يومية، وفي كل مكان بما في ذلك خلال المشي في مناطق جميلة محيطة بالجامعة، كلما سمح الطقس بذلك.  كان ذلك يبعث على السرور والسعادة والمحبة والغناء.  لم أعش في جو جامعة أكثر حيوية وروعة ونشاطا وتفاعلا وإبداعا من جو بيرزيت خلال عقد السبعينات.  وقد انعكس ذلك على الطلبة بحيث أنه من الصعب ملاقاة شخص عاش ذلك الجو ولم يبق معه عبر السنين.  كانت أبنيتها جزءا من أبنية البلدة، بحيث كان من الصعب تمييز أبنية الجامعة عن أبنية البلدة.  كانت متداخلة تماما، وكانت الجامعة مفتوحة للجميع، يدخلها من شاء.  لم تكن هناك بطاقات عضوية.  كان يؤمها الطلبة من جميع أنحاء فلسطين (كما يؤم الطلبة في الوقت الحاضر ال shopping malls  مع الفارق الشاسع بالطبع!  فبينما تعكس ال shopping malls أخطبوط الاستهلاك، كان جو بيرزيت يجسد روح الغليان الإنساني الداخلي والحيوية والانتعاش على المستوى الروحي والفكري والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني).  كان يؤمها طلبة المدارس من جميع الأنحاء للمشاركة في نشاطات من صنع طلبة الجامعة كاملا.  كانت الكتب الجيدة تنفذ في اليوم الأول من معارض الكتب التي كان ينظمها الطلبة.  كان الطلبة ينتظرون مجلة الجامعة "غدير" بفارغ الصبر، إذ كانت فسحة للتعبير الصادق والأصيل والمبدع.  كان مجلس الطلبة يتعامل مع قضايا حقيقية.  ربما يكون المأخذ الرئيسي في تلك الفترة (ونلام فيه جميعنا) هو عدم إيجاد حوار بين "الدين" وبين "العلم" بحجة أن الجو في الجامعة جو علماني!  وهذه القطيعة هي انعكاس للجو العام الذي كان مسيطرا منذ بدء ما يعرف ب"النهضة".  فقد كانت في رأيي فرصة لبيرزيت لتساعد، كما ساعدت في مجالات أخرى، في جدل نسيج فكري اجتماعي ثقافي روحي في الجامعة، وبتأثير بيرزيت القوي آنذاك، في المجتمع. 

بالإضافة إلى كل ذلك، كان بإمكان الأساتذة بلورة وتكوين مساقات حسب قناعات ومتطلبات الواقع.  أدخلتُ مثلا مساقا في العام 1978 تحت اسم "الرياضيات في الاتجاه الآخر" لطلبة السنة الأولى في كلية العلوم والهندسة.

انعكست هذه الروح في تصميم وفكرة كلية الفنون والتعابير الحضارية التي كان مزمع البدء ببنائها في العام 1978 والتي كانت تتمحور حول قاعة كبيرة في الوسط، يحيط بها 12 بناية صغيرة كل منها يهتم بمجال فني أو تعبيري معين.  أما بالنسبة للهيئة التدريسية فكانت الفكرة أن تتكون من فنانين في المجتمع (ليست لديهم شهادات ولكن "قيمتهم فيما يحسنوه" في الزجل أو الغناء أو الرقص أو العزف أو الأدب أو الشعر أو رواية الحكايات أو الحرف) وأيضا من فنانين درسوا في جامعات ومعهم شهادات.  لم تقع بيرزيت بعد في ذلك الوقت في فخ أن من لا شهادة معه فلا قيمة له.  كانت ما زالت تؤمن عمليا بمبدأ "قيمة كل امرئ ما يحسن".  من الجدير بالذكر هنا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تعط رخصة لبناء الكلية، بينما في العام الذي تلاه 1979 أعطت رخصة لبناء كلية هندسة دون تردد!  [وما حدث للأسف أن صرفت الجامعة المبلغ الخاص بالكلية على أمور أخرى بسبب الضغط المالي، فنسيت الفكرة تماما].  وفي هذا المضمار أيضا رفضت السلطات الإسرائيلية الاعتراف بخريجي جامعة "بيت لحم" في مجال أدلاء سياحة.  وعندما سؤل موشه ديان عن السبب، قال: أسمح للفلسطيني بأن يقود طائرة حربية إسرائيلية قبل أن أسمح له بأن يكون دليلا للسواح!

جزء جوهري من قيمتنا تكمن في الثقافة والحضارة والفنون والتعابير الحضارية والتاريخ والجغرافيا   ليس من الصعب أن يحصل شخص على شهادة عالية في التكنولوجيا أو الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو في علم الكمبيوتر، ولكن من الصعب جدا تنمية قدرة على رواية حكاية أو جلب السعادة للأطفال وإضحاكهم، من هنا القول بأن دخول مهرّج إلى قرية يحسّن من صحة الأطفال أكثر من مائة طبيب.  فمن المؤسف أن ابتكار طائرة تقتل الأطفال يُعتبر معرفة بينما خلق جو يسعدهم لا يعتبر معرفة!  أعود هنا لأذكّر بنوع المعارف التي لا يمكن التعبير عنها بواسطة لغة ومفاهيم.

في نهاية عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات، بدأت بيرزيت بالوقوع في مستنقع المنافسة والسير على طريق التقدم الأحادي وضغط الممولين بما يرغبون أن يرونه في الجامعة.  [وأذكر أنني بدأت أنا وسليم تماري عقد اجتماعات أسبوعية تحت عنوان "مؤتمر قضايا بيرزيت" في العام 1978 لمناقشة الطريق الذي نرغب السير فيه كجامعة، إلا أن أصوات الممولين آنذاك كانت أقوى من أصواتنا.]  وأذكر هنا، على سبيل المثال، إدخال برنامج لتدريس الديمقراطية وحقوق الإنسان مؤخرا كموضوع دراسي إلى الجامعة!  بيرزيت المهيأة أكثر من غيرها في بلورة وإضافة معرفة وفهما حول معنى المشاركة وحول إدارة الطلبة لشؤونهم اليومية وحول تنمية قيمة ذاتية لكل طالب  رضخت، فتبخر كل ذلك وأصبح ما يمكن تعلمه فقط عن طريق الممارسة والجو المناسب، يدرّس ويُعطى الطالب شهادة فيه!!  تصوروا طالبا حائزا على ماجستير في الديمقراطية!  لم أتخيل في يوم من الأيام مدى العطب الذي يمكن أن يحدث نتيجة غزو أخطبوط التنمية للمجتمعات، والمدى الذي يمكن استعمال التمويل فيه لتشويه ما هو جميل في الإنسان والمجتمع.  وقد حدث مثل ذلك في بلدان أخرى عديدة قبل فلسطين، إذ أن ما حمى فلسطين وأخّر دخول الأخطبوط إليها هو عدم الاعتراف قبل عام 1993 بوجود كيان يسمح لبعض الممولين (مثل البنك الدولي) بفرض برامج تنموية تسير بموجبها البلد على طريق ال super highway في التقدم.

إن بناء جامعة "قيمة كل امرئ ما يحسن" هو بمثابة ولادة مخلوق يحتاج إلى رعاية وحب.  في المقابل، فإن بناء جامعة حسب النموذج السائد هو عمل كسول.  وقد ذهبت قطر مؤخرا إلى حد أقصى في هذا المضمار عندما اشترت بمبالغ ضخمة امتدادا لجامعة كورنيل من أمريكا ووضعته في قطر، دون زيادة أو نقصان، بحيث يستطيع الطالب أن ينتقل بين الاثنتين دون أدنى مشكلة!  وتقوم دول أخرى باتباع نفس هذا الطريق الكسول والهادر.  من الصعب تخيل طريقة لبيع العقل والذات تفوق هذه الطريقة.  نجد أنفسنا نركض وراء تقليد ندفع في سبيله الغالي والرخيص من أجل الدخول في القفص!  ننسى كما سبق وقلت أن أفضل تقليد لأي عمل إبداعي لا يتعدى قيمة المواد المستعملة.  ولكن هذا مظهر للعولمة يعكس حقيقة أن كل شيء معروض للشراء والبيع بما في ذلك شراء جامعات!  لا أستبعد في المستقبل القريب رواج شراء نساء حائزات على الدكتوراه في تربية الأطفال ليعملن كأمهات للأطفال العرب!  حتى الابتسامات حاليا (وهو أمر واقع) يتم تسويقها، من قبل مهنيين ومختصين، يحاولون إقناع الناس بأن ابتساماتهم خلال الأربعين أو الخمسين سنة التي عاشوها كانت غلط، وبالتالي من الضروري تغييرها لذا فهم بحاجة إلى مهنيين وإخصائيين "يزبّطون" لهم ابتساماتهم!

كلمة أخيرة لا بد أن تقال وأمل يمكن تحقيقه

هذه الورقة هي بمثابة محاولة أولية، آمل أن يتسنى لمن هو مهتم بأن نلتقي مدة أسبوع ونتابع البحث والنقاش.  وأملي كما سبق وقلت أن تتجرأ دولة عربية وتخرج من قفص الفكر الأحادي السائد وتفتح صدرها وعقلها وتسترجع جزءا من الميزانية العامة للجامعات ( 1% في البداية) لتضعه في بند دعم إنشاء جامعات تنطلق من منطلقات مغايرة لما هو مألوف.  من الممكن أن تكون لدينا حرية تعبير وحرية تفكير من الآن وإلى الأبد، ومن الممكن أن نشتري معارف وتكنولوجيا بالأطنان وبالملايين من الدولارات، إلا أننا إذا منعنا العقل من التحرر من القفص، فإننا سنبقى ندور مثل المخلوقات المحشورة ضمن الأقفاص، وسنستمر نحوم في فلك التنمية والوعود الكاذبة أو الضارة أو المستحيلة.

 

| الرئيسية | مقدمة | حكايتي ما احسن | ورشة اللباد | مقالات | ورشة لبنان | مساحة | الملتقى | للاتصال بنا |

Copyright © 2004-2007 Arab Education Forum , All Rights Reserved