|
الفنان
محيي الدين اللبّاد
سأقص عليكم حكايتي مع مهنتي الحالية. قررت في عمر مبكر
أن أعد نفسي لأكون على ما أنا عليه الآن. كان هذا الاختيار قد توضح في السابعة أو
الثامنة من العمر. وعندما دخلت كلية الفنون الجميلة بالقاهرة كانت غايتي التخرج
منها وأن أعمل ما أقوم بعمله الآن، وليس لأكون "فنانا" مصورا؛ أرسم اللوحات التي
تعلق على الحيطان. لم يكن في بلدي كلية أو معهدا يعد شابا ليتخصص فيما طمحت إليه.
كان
الفنان الأكاديمي "حسين بيكار" هو رئيس قسم التصوير في الكلية، لكنه كان رسام كتب
الأطفال الجميلة التي أصدرتها دار المعارف، كما كان الفنان الأول لمجلة "سندباد"
التي أصدرتها الدار نفسها. ربما كان من حسن حظي أني قرأت مبكرا كتب ومجلات
الأطفال. ويزدحم في ذاكرتي الكثير مما طالعته في مجلات الأطفال الكثيرة
وكتبهم، وكذلك في عدد من المجلات التي لم تكن موجهة للأطفال بل الكبار. لا
أزال أذكر روائح تلك الكتب والمجلات، ورائحة ورقها وملمسه وألوانه.
لم
يكن في بيتنا كتب سوى ما كان في مكتبة والدي أستاذ الفقه في الأزهر. كانت مكتبته
مليئة بكتب ذات ورق أصفر جميل ومجلدة بالجلد (عرفت كم هي جميلة وفاتنة عندما كبرت)
وكان هناك أيضا قواميس ضخمة. لكن المكتبة ضمت كتابا واحدا من القطع الكبير عن قلعة
صلاح الدين في القاهرة، وعن الغابة المتحجرة الواقعة ما بين القلعة وحي المعادي
وكان كتابا مصورا رائعا. وكان الكتاب الآخر المختلف مذكرات لمحتال محلي ذائع
الشهرة وخارق الذكاء وغير هياب.
لم
يشجعني والدي على القراءة خارج المقررات الدراسية، وكان ينظر بريبة إلى كتب
الأطفال ومجلاتهم التي اشتريها، ظانا أنها قد تعطلني عن الاستذكار، لكنه - للحق-
لم يمنعني عن تلك الكتب والمجلات، ولم يقمع اندفاعي إليها.
كنت
أحصل على اختياراتي من بائعي الصحف، ومن (فرشاتهم) الثرية. وفي أواخر سنوات
المدرسة الابتدائية، استطعت الإبحار إلى أعالي البحار، فوصلت إلى سور حديقة
الازبكية حيث تباع الكتب والمجلات القديمة، وبدأت أتزود منها، وبالذات تلك الكتب
القصيرة النصوص، ومجلات باللغة الإنكليزية. فقد كان لابد لي من الهروب إلى مجلات
أخرى، لأن المجلات المصرية كانت قبل عام 1952 سخيفة، وأحمل منها ذكريات
منقبضة جدا.
في
الأسبوع الأول من الشهر الأول لعام 1952 ظهرت مجلة "السندباد" التي شكلت لي
انفراجة في وجود كان ضيقا، وأحدثت لي قطيعة مع كل الانقباض والضيق الذي عشته
قبلها. أستطيع أن ألخص تلك الخبرة في أن "السندباد" قد غيرت نظرتي إلى العالم بشكل
قاطع. أصبحت أرى المناظر بعين جديدة. كنت أستقبل العلم بشكل مختلف تماما. إن شيئاً
ما قد نور في قلبي وروحي. تماما كما يتكلمون عن تجربة الحب، وكيف تغير البشر. حدث
هذا التغير مرات قليلة، وقد كانت إحداها مع صدور مجلة "السندباد" كان فيها شيء
نظيف وجميل ومشرق، وكانت تعبر عن عالم مثالي فيه نظام وسمو وترابط وبهجة ومُثل.
كان للمجلة مقصدا إنسانيا وعروبيا وتعليميا. كان بها شيء تحب أن تنتمي إليه. كانت
تبحث عن مصادرها في حضارة وخيال ولغة وفن ننتمي إليه. كانت بديلا جميلا. وقد كان
رئيس تحرير هذه المجلة الأديب والروائي محمد سعيد العريان، وهو أديب معروف ومسؤول،
وله رصيد معتبر من الكتب، ولم يكن مجرد رئيس تحرير حصل على وظيفة يعيش منها، بل
كان صاحب مشروع.
أما
حسين بيكار فكان صاحب تجربة في مصر وخارجها. وبعد تخرجه وعمله في مدينة الأقصر
الجنوبية لأعوام، عمل في المغرب لاعوام أخرى، عاش الحياة المغربية الأصلية وسكن
بيوتها التقليدية، وتنشق رائحة الأندلس. زار بيكار بلاد الأندلس عدة مرات، ورسم
عددا من الكتب المدرسية الأسبانية. وعندما عاد كان مؤهلا لأن يتولى مسؤولية تأسيس
مهنة فن الكتاب في مصر. وقد أسسها بالفعل.
في
عام 1944 رسم بيكار لدار المعارف الكتاب الذي صاغ فيه طه حسين مذكراته عن طفولته
وصباه وشبابه بعنوان "الأيام". كان جديدا في مهنة النشر أن يتولى فنان أكاديمي
بهذا النضج والتكوين رسم كتاب. كانت مهنة الرسم في ذلك الوقت ملحقة بمهنة الحفر
وصناعة الكليشيهات، وغالبا ما قام بها من يصنعون الكليشيهات المعدنية، وتناولوا
هذه المهمة على إنها حرفة صغرى.
شجع
نجاح الكتاب أصحاب الدار على أن يكلفوا عددا من الأدباء ومعهم الرسام بيكار لإصدار
عدد من سلاسل كتب الأطفال المصورة الملونة الرائعة، وقد كانت في زمنها اختراقا
وفتحا جديدا وقفزة واسعة إلى الأمام. كان من هؤلاء الأدباء محمد سعيد العريان،
ومحمد فريد أبو حديد، وأمينة السعيد، وسيد قطب. وقد بدأ إصدار تلك السلاسل عام
1946. ولم تكن تلك هي التجربة الأولى لدار المعارف في مجال إصدار كتب الأطفال، بل
كانت الدار نفسها هي التي نشرت أول كتاب عربي مصور وملون للأطفال، وهو كتاب
"القطيطات العزاز"، ومعه كتب "البنت الحمراء" و "فوفو و زوزو" و "عن
الفلاحين " .
كانت
"سندباد "هي المجلة العربية الأولى التي أسست بيئة سردية خاصة بها، إذ خلقت أسرة
متعددة الأفراد جعلتهم أبطال صفحاتهم وقصصها: كان هناك "سندباد"، الصبي
الرحالة المفعم الذي يحمل صرة وعصا ومنظارا في هيئة "ألف ليلة وليلة"، وكان
معه دائما كلبه "نمرود". أخت " سندباد " كان اسمها "قمر زاد" وهي فتاة جميلة
بهيئتها الشرقية الطريفة، وكان لهما عمة "العمة مشيرة" التي كانت تجيب على رسائل
القراء وأسئلتهم. وكان لسندباد ابن عم يدعى "صفوان" له اتجاهات بوليسية، ويهتم
بمطاردة اللصوص والأشرار. وكان هناك بطل آخر كرتوني عشقه الصغار هو "زوزو المغامر"
الذي رسمه الإيطالي "موريللي" والذي كان أصلع الرأس إلا من شعرة واحدة، وكان يقضي
كل صفحته الأسبوعية في إعداد فكرة معقدة، تنتهي بكارثة عليه، ويختم حديثه موجها
إياه إلى القراء :"ما كان أسخفها من فكرة".
كان
حصولنا على كتب دار المعارف أو مجلة "سندباد" يشعرنا – حين نلمسها- بالسعادة
والفخر كان جيلي يرسل الرسائل إلى "السندباد"، وكنا نضمنها نصوصا ومواد كانت
تنشرها لنا. وكانت تنشر عناوين من يكاتبونها، فتراسلنا. وأصبحت هناك شبكة من
الأصدقاء بالمراسلة تنتشر على خريطة العالم العربي. من جيلي لا زال أذكر عددا من
الأسماء التي كانت تنشر، التي جمعتنا معا مراسلات تبادلنا فيها المعلومات وصور
بلادنا والكتيبات والرسوم. أذكر من هذه الأسماء الشاعر المصري عبد الرحمن
الأبنودي، والرسام والناقد السوري أسعد عرابي، والدكتور عصام الزعيم وزير
الاقتصاد السوري الحالي، والدكتور علي فهمي خشيم وزير الثقافة الليبي الأسبق،
والدكتور محمود عبد الفضيل المفكر الاقتصادي والأكاديمي المصري، وسهير الأتربي
رئيسة اتحاد التلفزيون المصري، وفتحي الابياري الروائي السكندري، وعدد كبير من
أسماء أخرى تشكل جيلا كاملا.
كانت
إحدى التجارب المهمة لمجلة "السندباد" هو تأسيس شبكة "ندوة السندباد"، والندوة هي
حلقة من بعض قراء المجلة متقاربي العمر من مدرسة واحدة، أو من حي سكني واحد،
ينتخبون من بينهم "قائما بأعمال"، وينظمون معا أنشطة ثقافية واجتماعية ورياضية
وفنية. وترسل الندوات أخبار نشاطها مصفوفة بالكلمة والصورة، وكانت المجلة تنشر هذه
الأخبار في ملحق خاص يضم أيضا عناوين الندوات الأخرى في مختلف البلدان، وأسماء
أعضائها.
من
خلال "ندوة سندباد " عرفت أن هناك عالما يمتد خارج مصر، وعرفت أنني انتمي إلى هذا
العالم الكبير، وليس إلى بلدي فقط. عرفت أن وصف "العربي" ليس هو ذلك المعنى الذي
نشره المستشرقون بيننا أيضا، كما لو أن "العربي" هو من يظهر في مشاهد بغداد الألف
ليلة، بل أن هناك واقعا عربيا تفصيليا وحيَّا يمتد من المغرب والجزائر إلى العراق
والجزيرة العربية واليمن مرورا ببلاد الشام. تعرفنا على هذا العالم عبر المستوى
الشخصي الحميم، وليس عن طريق المواد المدرسية المختصرة والباردة.
انتشرت
"ندوات سندباد" وصنعوا لها رمزا معدنيا جميلا ملونا، كنا نشتريه، ونضعه على
صدورنا. كما أصدروا بطاقة عضوية مطبوعة تحمل صورة العضو واسمه وبيانات عن ندوته.
وفجأة اختفى ذكر "الندوة" من المجلة، وكنت صغيرا ولم أعرف السبب، ولم يقل لي أحد
من الكبار تفسيرا لهذا الاختفاء. بعد أن كبرت اكتشفت أن "ندوات سندباد" قد
اختفت أخبارها، وانمحى نشاطها في ربيع عام 1954 وهو الربيع نفسه الذي قامت فيه
الدولة المصرية بحل الأحزاب السياسية والجمعيات ذات الطابع السياسي، ولا بد أن
الدولة حينذاك اعتبرت "ندوة سندباد" شكلا من أشكال التنظيم، فقد أقلقها أنه أصبح
شبكة اتصال واسعة وقوية.
لا
أزال أذكر أسماء مثل الجزائري محمد بو كروشه، والسوري عصام الزعيم، والفلسطيني
عصام الدجاني الذي أرسل لي الطوابع الفلسطينية التي تحمل رسوم قبة الصخرة، وقبر
راحيل وجبل الزيتون التي كنت أراها للمرة الأولى. ولا أزال أحتفظ بعدد من بطاقات
البريد والصور من مختلف البلدان العربية، ومنها الصومال.
كنت
أرسل للمجلة قصصا ترجمتها، ونشرت (يـــــا) ذات مرة قصة من تلك القصص على صفحة
كاملة ضمن صفحات المجلة (وليس في بريد القراء )، ورسمها الرسام والصحفي الشهير
حينذاك كمال الملاخ. وبعد أن انتظمت في دراسة الفنون الجميلة. وانخرطت في فريق
العمل بالمجلة. كانت المجلة في حالة منافسة شديدة مع مجلة أخرى تدعى "سمير" كانت
مغرية للقراء الصغار بلهجتها العامية، وبقصصها المرسومة (trips
Comic
) كما كانت تتميز بتوزيع أفضل؛ لأنها تصدر عن دار صحفية تملك مجلات أخرى تنشر
إعلانات عن زميلتهم المجلة الصغيرة. طلبت مني دار المعارف قبل أن اكمل الخامسة
والعشرين – تجديدا شاملا في تبويب المجلة وفي شكلها. ولما كنت قد تعرفت على
المجلات الفرنسية والبلجيكية النظيرة، فقد أقبلت على المهمة بلا ترو
وباندفاع. اليوم أظن أنى تسببت بإفساد المجلة، وقد كان ذلك سببا رئيسيا في توقف
المجلة عن الصدور بعد عام أو بعض عام نتيجة ما فعلته بها.
بعد
توقف المجلة، طلبت مني دار المعارف تصميم سلسلة قصص مصورة بالمفهوم الحديث، وقد
صممتها بعنوان سلسلة "صندوق الدنيا". وفي تطور آخر صمم بيكار سلسلة أخرى للأطفال
بعنوان "الكتاب العجيب" افتتحها بكتاب رسمه وكتب نصوصه أيضا، ودعا عددا من تلاميذه
ليرسم كل منهم كتابا، يكتب فيه كل رسام نصه. وكانت تجربة غير مسبوقة. وفي العام
الأخير من دراسة القنون الجميلة، تعاقدت مع مجلتي "روز اليوسف" و"صباح الخير"
لأكون أحد أعضاء فريقهما من رسامي الكاريكاتور السياسي والاجتماعي. وبعد عامين،
بدأت أميل إلى تعلم مهنة التصميم الغرافيكي، واكتشفت إنها المهنة التي كنت أحلم
بها طفلا، ووجدت أنها مهنة يمكن أن تجمع بين الرسم والكتابة والإخراج وابتكار
أشكال غير مسبوقة من الكتب والصحف والمجلات وغيرها. أظن أني لم أخف من أن اصل كل
هذه القنوات ببعضها البعض، وأن تكون معبرة عن ذات الشخص ووجدانه وتجاربه. وأظن أن
في الكاريكاتور السياسي الذي أقوم به الكثير من التصميم الغرافيكي، وهكذا.
في
أواخر عام 1963، امتلأت مصر بمجلات مترجمة إلى العربية تحمل قصصا مصورة
أمريكية:
"سوبر
مان" و"الرجل الوطواط" و"الرجل الشبح"... وغيرها. وقد انتشرت هذه المطبوعات رغم
تناقضها مع الشعارات السياسة التي كانت الدولة ترفعها في ذلك الوقت. وكانت جريدة "
الأهرام" هي المؤسسة التي توزع هذه المطبوعات الرديئة المستوى.
أطلقنا
ضجيجا مضادا لهذه المجلات، فأعطتنا الدولة فرصة لعمل جديد للأطفال، فعملنا على
إنتاج مجلة ذات طابع محلي تحمل شعار "مصرية 100%" ابتعدنا فيها عن المواد الجاهزة،
وحاولنا أن نرسم شوارع القاهرة الفقيرة وحواريها، وأن نرسم شخصياتنا من الناس
العاديين. اخترنا الكاتب المسرحي نعمان عاشور رئيسا للتحرير إذ كنا حديثي السن
لدرجة لا تسمح لأحدنا بأن يتولى تلك المسؤولية. كان عاشور كاتبا خفيف الدم وابن
بلد. اهتم الناس بالمجلة عند صدورها؛ لأنها كانت تجربة جديدة ومختلفة، لكنها توقفت
بعد أقل من عام بعد أن عُين رئيس الدار الذي صدرت في عهدة وزيرا، وجاء للدار رئيس
آخر. توقفت مجلة "كروان" لكنها تركت أثر كبيرا على المجلات الأطفال وكتبهم في مصر.
وفي
عام 1968، انتبه احمد بهاء الدين رئيس دار الهلال إلى ضرورة تجديد مجلة سمير
التي تصدرها الدار، فطلب أن أكون مديرا للتحرير ومديرا فنيا لمجلة "سمير" لمدة
عام، وقد كان ذلك. واستطعنا عمل صيغة جديدة للصحافة الموجهة للأطفال، استمر
تأثيرها فترة لا بأس بها لتشكل جذورا لعدد من دوريات الأطفال العربية حاليا، كما
تخرج منها عدد من الكتاب والرسامين والمنتجين المصريين.
أخذت
خبرات الجيل الذي تخرج في مجلة " سندباد" تتراكم وتتزايد. وأصبح لتلامذة بيكار
مصادر أخرى تعرفوا عليها وعثروا عليها بأنفسهم، كنا نظن أننا باكتشافنا أن رسوم
مجلة "سندباد" و "دار المعارف" تعكس موقفا استشراقيا، وأننا ننتبه إلى ذلك، والى
ضرورة عدم تكراره. ابتعدنا عن الاستشراق، لكننا لم نكتشف أننا لا زلنا متأثرين
بأوروبا، ولكن بالرسوم في الدول الاشتراكية سابقا.
في
1974عاصرت تجربة أكثر نضجا، وهي تجربة تأسيس "دار الفتى العربي" في لبنان. دعيت
إلى بيروت للتعرف على مشروع هناك، فقد خطط مركز التخطيط الفلسطيني لعمل دار نشر
للأطفال، وجمعوا رأسمال من مساهمين أفراد واستأجروا شقة، وجمعوا مادة مكتوبة في
الملفات. كانت النصوص قد جمعت بلا تصور مسبق أو خطة، وكل ما جرى لها هو مجرد
مراقبة نصوصها للتأكد من خلوها من أية "أخطاء سياسية" أو "تربوية".
عملت
مديرا فنيا للدار قبل أن تصدر كتابا، وشاركت في تأسيسها وصياغة وجهها وشخصيتها.
كان رئيس الدار هو الدكتور نبيل شعث الذي كان مشغولا بعمله الأكاديمي في الجامعة
الأمريكية، وفي رئاسة مركز التخطيط الفلسطيني وفي العمل السياسي. ساهمت في تصنيف
النصوص في عدة سلاسل، واستكملت الناقص منها. وطلبت بعض التعديلات، فقد أضفت عددا
من السلاسل الجديدة، منها سلسلة للحكايات الشعبية، وقد استعنت فيها بمترجمين. وبعد
ثمانية شهور ظهرت القائمة الأولى لإصدارات الدار، واستقبلت استقبالا مرحبا عارما.
كان
هناك حرص أن يكون هناك كتاب ورسامون من مختلف الدول العربية، وكان هناك عدد كبير
من النصوص كتبها زكريا تامر القصاص السوري المعروف. صدرت الكتب في العام الذي تلا
حرب عام 1973، وكانت الروح المعنوية عالية، وكان الناس يشعرون بكثير من الأمل
والتفاؤل وينتظرون الجديد. كان أغلب المرحبين بالكتب يتمثل في المثقفين والمسيسين.
وزاد الترحيب بعد ظهور كتاب صغير من إصدار الدار كتبه زكريا تامر ورسمته بعنوان
"البيت" وكان يرمز لحق الفلسطيني في وطنه، حصل هذا الكتاب الصغير جدا على جائزة من
بينالي براتسلافا الدولي لرسوم الكتب 1975، وعلى جائزة معرض الكتاب العربي في
بيروت 1975 لأجمل الكتب العربية. وفي العام نفسه نشرت صحيفة "هعولام هازيه"
الإسرائيلية تقريرا مصورا يشهد لتلك الكتب "الفلسطينية بالكفاءة والتفوق، وينبه
إلى اكتشاف الفلسطينيين لأهمية النشر للأطفال.
بعد
أن هدأت الضجة، وجدت أن أغلب الناس نسوا أن يتمهلوا ويقفوا ويقيموا التجربة
وينقدوها. وبعد مرور بعض الوقت وبعد المراجعة، وجدت أن أكثر من رحبوا بالكتب التي
صنعناها هم المثقفون والمسيسون، ولا أظنهم الأطفال، ورأيت فيما علمناه بأن الكبار
البالغين يحاولون إبراء ذمتهم تجاه معتقداتهم السياسية، ويسقطون أفكارهم على
الأطفال الصغار. ورأيت أن الطفل لا يستطيع أن يفهم مخاطبتنا له بالرموز وبالقيم
المجردة. ملأنا كتبا كثيرة برموز عن الديمقراطية والحرية والقمع والاستبداد وغيرها
من المجردات، كانت أحداث القصص وشخوصها وعناصرها ترمز إلى معان لا يدركها الطفل.
وفي
الوقت ذاته، كنا نكتشف كل يوم أن فريق الدار يفتقد الخبرة في الإدارة وفي التوزيع.
فاقترحت أن يقتصر دور الدار على خلق الكتب والإشراف على إنتاجها، وأن يترك الجانب
التجاري والاداري لناشر محترف يشارك الدار في إصدار كتبها وتوزيعها. كنت أحلم بأن
نتفرغ لإبداع الكتب وللتجريب في نواحي غير مسبوقة، ولم يقبل اقتراحي. ومع اشتداد
الحرب الأهلية اللبنانية، انسحبت إلى القاهرة، وبدأت مع بعض الزملاء والأصدقاء من
الكتاب والرسامين تأسيس "الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال" ومعها في الوقت
نفسه "المركز الغرافيكي العربي". استطعنا أن نجمع فريقا ضم أعضاء من مصر وفلسطين
وسورية ولبنان وتونس واليمن، ونجحنا في إنجاز حوالي 60 كتابا للأطفال، صدرت
بالاشتراك مع بعض دور النشر العربية. لكن الظروف السياسية والقطيعة بين البلاد
العربية ومصر في عهد السادات حالت دون استمرار التجربة التي كنا نحلم بامتدادها
على دائرة عربية واسعة.
انتقلت
يعد ذلك للعمل وحدي، في محاولة لادخار الوقت الضائع في المشاغل غير الإنتاجية.
ونشرت عددا آخر من كتب الأطفال والكبار التي استقبلت استقبالا لا بأس به. الآن،
أتطلع خلفي إلى ماضي الطفولة، والشباب، ثم إلى العمر الحالي، أتطلع إلى ما حلمت
به، وما أنجزته بالفعل، وما يمكن أن أنجزه في الظروف الراهنة، وفي هذا العمر،
وبهذه الخبرة المتراكمة أرى أن هذه المهنة التي اخترتها واحترفتها لا تزال تحت
التأسيس، أي أنها لم تتأسس بعد، ولا تزال بحاجة إلى إعادة تأسيس؛ إذ أن مراحل
التأسيس الأولى في منتصف الأربعينيات قد أجهضت، ولم تستمر طويلا.
التوسع
الأفقي الحالي (والذي يزداد كل يوم) في ميدان نشر كتب الأطفال ودورياتهما، والهتاف
العصبي لكل توسع عددي وكمي هي أمور تصيبني بالرعب وتسحب مني الأمل في التقدم
والتصحيح وبذر الأجيال القادمة والكتب المستقبلية.
ومع
الوقت فقدت تصوري بأنني أتعامل بكتبي مع الأطفال، وأنها تصلني بهم، فراقني هذا
الوهم بعد أن تأكدت بأن هذا غير صحيح، ولأنني لا زلت احتاج احتياجا عاطفيا
وأخلاقيا ووجدانيا – إلى العمل في هذا المجال الذي اخترته، وأعددت نفسي للخدمة
فيه، إنني الآن مقتنع بشيء جديد، هو أن أتحاور بعملي الذي أنجزه مع زملاء المهنة
من جيلي، ومن الأجيال التالية، وأن أحرض صبية وصبايا صغار على سلوك الطريق الذي
سلكته، ليكونوا من أبناء صنعتي. فربما يستطيع هؤلاء القادمون مستقبلا أن يصححوا
الطريق، وأن يؤسسوا المهنة.
ملاحظة
أخيرة:
في
الآونة الأخيرة، ظهرت دعوات كثيرة، ومسابقات رصدت لها الجوائز لخلق شخصيات
كرتونية "عربية" بديلة للأجنبية. وقد انشغل الإعلام في العام الماضي بالدعوة
الإيرانية إلى خلق دمية بديلة لدمية (باربي) التي تحمل تأثيرات الغرب السلبية على
الأطفال الإيرانيين، ولم تتوقف المسالة عند الدعوة. بل جرى تصميم دمية إيرانية ذات
سمات وملامح إيرانية، ووزعت الدمية على المتاجر ومنافذ التوزيع. ولكن لم تفلح
الدمية المقررة في أن تدفع الناس وأطفالهم إليها.
والملفت
للنظر - الذي يجب أن ينتبه إليه أصحاب الدعوات - هو أن الشخصيات الكرتونية الذائعة
الصيت، التي انتشرت في أنحاء العالم، لم تقرر سلفا، ولم تصمم كشخصيات "وطنية" أو
"عالمية" لتكتسح وطنا أو دولة.
نالت
كل الشخصيات الكرتونية المرموقة شهرتها وذيوعها عن طريق الاختيار الحر المباشر
للجمهور، أي بالانتخاب الطبيعي، وتأثر انتشار تلك الشخصيات دائما بالظروف
الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية للفترة التي ظهرت فيها، ولم يكن أحد
ممن صمموا وابتكروا شخصيات مثل "ميكي ماوس" و "دونالد داك" و "سنوبي " و"استريكس"
و"تان تان" يعلم مقدما بالنجاح الساحق الذي ستحققه تلك الشخصيات. لم تكن أي شخصية
منها في البداية على الصورة التي نعرفها عليها الآن. "دونالد داك" كان شخصية
ثانوية (كومبارس)، يظهر خلف شخصية كرتونية بطلة تمثل دجاجة، وتم تصعيد ذكر البط
تدريجيا بناء على طلب الجمهور إلى أن احتل الواجهة، وتوارت الدجاجة. لا زلنا نفكر
– في موضوع مثل الشخصيات الكرتونية وغيره من الموضوعات – بطريقة "التعيين" وليس
بطريقة "الانتخاب الحر المباشر".
(شهادة)
في ملتقى شرم الشيخ 2001
|